علاء الدين علي بن محمد البغدادي ( الخازن )

73

تفسير الخازن ( لباب التأويل في معاني التنزيل )

فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أخرجه الترمذي . وقال حديث غريب . وقال ابن عمر نزلت في المسافر يصلي التطوع حيثما توجهت به راحلته ( ق ) عن ابن عمر قال : « إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه يومئ » وكان ابن عمر يفعله وفي رواية لمسلم « كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يصلّي على دابته وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيثما توجهت وفيه نزلت فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ الآية . وقيل : نزلت في تحويل القبلة إلى الكعبة وذلك أن اليهود عيرت المؤمنين وقالوا : ليس لهم قبلة معلومة فتارة يستقبلون هكذا وتارة يستقبلون هكذا فأنزل اللّه هذه الآية . وقيل : إنها نزلت في تخيير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه ليصلوا حيث شاؤوا من النواحي ثم إنها نسخت بقوله تعالى : فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ * ومعنى الآية إن للّه المشرق والمغرب وما بينهما خلقا وملكا ، وإنما خص المشرق والمغرب اكتفاء عن جميع الجهات لأن له كلها وما بينهما خلقه وعبيده ، وإن على جميعهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه فما أمرهم باستقباله فهو القبلة فإن القبلة ليست قبلة لذاتها بل لأن اللّه تعالى جعلها قبلة ، وأمر بالتوجه إليها فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أي فهنالك قبلة اللّه التي وجهكم إليها ، وقيل معناه فثم وجه اللّه تعالى بعلمه وقدرته . والوجه صفة ثابتة للّه تعالى لا من حيث الصورة . وقيل : فثم رضا اللّه أي يريدون بالتوجه إليه رضاه إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ من السعة وهو الغني أي يسع خلقه كلهم بالكفاية ، والإفضال والجود والتدبير . وقيل واسع المغفرة عَلِيمٌ أي بأعمالكم ونياتكم حيثما تصلوا ، وتدعوا لا يغيب عنه منها شيء . ( مسألة تتعلق بحكم الآية ) وهي أن المسافر إذا كان في مفازة أو بلاد الشرك ، واشتبهت عليه القبلة فإنه يجتهد في طلها بنوع من الدلائل ويصلي إلى الجهة التي أدى إليها اجتهاده ولا إعادة عليه وإن لم يصادف القبلة فإن جهة الاجتهاد قبلته ، وكذا الغريق في البحر إذا بقي على اللوح فإنه يصلي على حسب حاله ، وتصح صلاته وكذلك المشدود على جذع بحيث لا يمكنه الاستقبال . قوله عز وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 116 ] وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ( 116 ) وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً نزلت في يهود المدينة حيث قالوا : عزيز ابن اللّه ، وفي نصارى نجران حيث قالوا المسيح ابن اللّه وفي مشركي العرب حيث قالوا الملائكة بنات اللّه سُبْحانَهُ أي تنزيها للّه فنزه اللّه نفسه عن اتخاذ الولد وعن قولهم : وافترائهم عليه ( خ ) عن ابن عباس عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : قال اللّه عز وجل : « كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فزعم إني لا أقدر أن أعيده كما كان وأما شتمه إياي ، فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا » بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني عبيدا وملكا فكيف ينسب إليه الولد وهو داخل فيهما . وقيل : إن الولد لا بد وأن يكون من جنس الوالد واللّه تعالى منزه عن الشبيه والنظير . وقيل : إن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه والانتفاع به عند عجز الوالد وكبره ، واللّه تعالى منزه عن ذلك كله فإضافة الولد إليه محال كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ يعني أن أهل السماوات والأرض مطيعون للّه ومقرون له بالعبودية ، وأصل القنوت لزوم الطاعة مع الخضوع . وقيل : أصله : القيام ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أفضل الصلاة طول القنوت » فعلى هذا يكون معنى الآية كل له قائمون بالشهادة ومقرون له بالوحدانية . وقيل : قانتون أي مذللون مسخرون لما خلقوا له . واختلف العلماء في حكم الآية فقال بعضهم : هو خاص ثم سلكوا في تخصيصه طريقين . أحدهما : قالوا هو راجع إلى عزير والمسيح والملائكة . الثاني : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : هو راجع إلى أهل طاعته دون سائر الكفار وذهب جماعة إلى أن حكم الآية عام لأن لفظة كل تقتضي الشمول والإحاطة ثم سلكوا في الكفار طريقين . أحدهما أن ظلالهم تسجد للّه وتطيعه . والثاني أن هذه الطاعة تكون في يوم القيامة . ومن ذهب إلى تخصيص حكم الآية أجاب عن لفظة كل بأنها لا تقتضي الشمول والإحاطة بدليل قوله تعالى : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ